المنهج النقدي مطبقاً على الأنظمة الطائفية: حالة النظام السوري السابق

لقد كان إسهام مهدي عامل المركزي في الفكر الاجتماعي العربي هو إدخال الفكر الاجتماعي النقدي إلى واحدة من أدق المسائل الاجتماعية السياسية وأعقدها في العالم العربي. المسألة ذات الطوابق الديموغرافية والاثنولوجية والدينية والسيسيودينية والسياسية وبالتأكيد: الطبقية. عبر «المدخل إلى نقض الفكر الطائفي» ثم «النظرية في الممارسة السياسية: بحث في أسباب الحرب الأهلية اللبنانية»، كان عامل قد أصّل للتعاطي المنهجي البحثي والعلمي مع المسألة الطائفية بوصفها مسألة طبقية أولاً وقبل كل شيء.
وهناك اختراقان حققهما عامل: الأول، الريادة والأسبقية في الطرح الاجتماعي العلمي المنهجي للمسألة. الثاني، الطرح على أرضية الفكر النقدي ومنهاجيته العامة لنصل إلى خلاصات أن هذه المنهاجية بالذات هي التي تمكننا من الوصول إلى نتائج وخلاصات حقيقية، و«تستنفد» فعلاً المسألة بكامل أبعادها ونطاقاتها إن صح التعبير.
بالاستناد إلى منهجية عامل نمضي، خطوة بخطوة، لنبدأ التشريح، ولنبدأ العمل لفك الطلاسم:
أولاً: عن بنية النظام
التحديد الرئيسي للنظام السوري أولاً هو أنه، وكمثل جميع الأنظمة العربية بلا استثناء، نظام رأسمالي - كولنيالي. أي إنه يتبع اقتصاد السوق جوهرياً، ولكنه متخلف، تبعي وطرفي (أي يعيش على هامش السوق العالمية وأطرافها ككل اقتصادات العالم الثالث المتخلفة وبظروف شبه استعمارية) ولذلك نسميه كولنيالي (أي شبه مستعمر، أو مستعمر بشكل غير مباشر). الطبقة الحاكمة في مثل هذه الأنظمة عموماً هي طبقات تشبه أنظمتها، إنها هشة تابعة هزيلة ضعيفة وعلى العموم عاجزة. تابعة لمشغلين ورعاة إقليميين ودوليين بالضرورة.
لا تستطيع حكم مجتمعاتها أو بسط سيطرتها عليها بوسائل العصر الحديث، أي بالوسائل السياسية والديموقراطية، فتلجأ إلى وسائل وأدوات تعود إلى القرون الوسطى. أي إلى وسائل وأدوات ما قبل سياسية وما قابل ديموقراطية، وبتعبير أدق إلى الطائفية والعشائرية والمناطقية (التي تعود إلى زمن القبيلة والمجتمع الأبوي والبدوي وبقايا إرثه في مجتمعاتنا المتخلفة). إنها عاجزة عن بناء مجتمع مدني، والدولة الناتجة منها هي بالضرورة دولة مسخة ومشوهة.
والنظام السوري بوصفه كذلك، اضطرت طبقته الحاكمة، والتي كانت قد بدأت في عملية تشكّل جديدة شبه نهائية مع انقلاب 1970، إلى استخدام هذه الوسائل بالذات لكي تتمكن من بسط سيطرتها.
أمّا عن بنية الطبقة الحاكمة للنظام السوري ما بعد 1970 (وقد كانت هذه الطبقة قد تبلورت وانسبكت جيداً ونهائياً بوصفها «بنية» في الثمانينيات)، فهي تحالف شبه مافيوي لثلاث قوى رئيسية (تحالف مثلث غير متوازي الأضلاع - social triangle) للنخب في القطاعات الثلاثة المجتمعية:
- على رأسها القطاع المصرفي والمالي بوصفه رأس الهرم الحقيقي والفعلي الحاكم والمهيمن على بنية المنظومة.
- والعسكرية، بما تعنيه من نخب القيادات العسكرية وكبار الضباط والمسؤولين والمستشارين وعلى رأسهم بطبيعة الحال كبار ضباط المؤسسات الأمنية.
- وثالثاً، الإدارية متضمنة كبار المسؤولين الإداريين في الجهاز الإداري الحاكم في مجمل البلاد ككل من الوزراء والصف الأول من الحزبيين وكبار الإداريين... من مختلف المؤسسات الإدارية والحكومية للجهاز البيروقراطي الضخم الذي تستند إليه المنظومة.
فذلك هو «رأس الهرم» الطبقي المسبوك جيداً والمحكم والمتماسك. والشرط الوحيد للانتماء إلى أحد قطاعات المافيا/الطبقة (joining the club) هو الرصيد البنكي. إنه عدد الأصفار الموجودة في الحساب المصرفي للشخص المعني والذي إذا حقق صافي ثروة، بغض النظر عن طرق تحققها أو الأساليب التي جمع فيها ثروته أو مصادرها، صار في إمكانه الانتماء إلى بنية الطبقة الحاكمة في أحد مفاصلها (الحديث عن شراء المناصب العليا كان أمراً مألوفاً ببساطة في النظام السابق ولكل منصب «تسعيرة»، ومعروف جيداً أين تدفع وعند من، بدءاً من مجلس الشعب انتهاء بالمواقع والمناصب الحكومية، وأخيراً وبسبب انهيار قيمة الليرة السورية صارت تقاس بدزينات الليرات الذهبية وعددها).
الطبقة الحاكمة، إذاً، تشكيل مافيوي عابر للطوائف والمناطق ولكل الاعتبارات. إنها تشكيل طبقي رأسمالي عملي بحت. وخزعبلات الطائفية وغيرها من الاعتبارات الفارغة لا تدخل فيه أبداً.
إنّ هذه المافيا/الطبقة عاجزة عن تحقيق هيمنة اجتماعية (بالمفهوم الذي حدده غرامشي) بالوسائل السياسية الحديثة (من برامج انتخابية وبرلمانات وأحزاب... إلخ) لذلك تلجأ اضطرارياً إلى البقايا والتركات الإقطاعية والقروسطية البائدة لتستخدمها كأدوات لها في ضبط الكتل الاجتماعية وتنظيمها والسيطرة عليها وتدجينها إن صح التعبير. إنها عاجزة عن تشكيل أحزاب أو أي شكل من أشكال الكتل الاجتماعية بالمعنى الحديث، فتلجأ إلى نظام الملل العثماني لتستخدمه كبديل عملاني. بمعنى مباشر ودقيق، الطائفية تصبح أداة حكم ضمنية لتنظيم القطاعات الشعبية في الأجهزة والمؤسسات الإدارية والمدنية والعسكرية، وبالتأكيد الأمنية أيضاً.
عبر المحاصصات الطائفية والتوازنات الطائفية المدارة بدقة (وكانت قد احترفتها الطبقة الحاكمة السابقة مع الوقت!) يتم إدخال القطاعات الريفية من أبناء الفلاحين السوريين (آخذين في الحسبان أن أكثر من 80 في المئة من سكّان سوريا هم من الفلاحين أو من أصول ريفية مباشرة أو غير مباشرة) إلى النظام القائم. في مؤسسة مدنية أو قطعة عسكرية أو فرع أمني... إلخ، يتم تنظيم المحاصصات على أساس طائفي بحت. فمثلاً، في منطقة ذات غالبية سنّية يفضّل أن يكون على رأس مؤسسة مناطقية ما فيها «غريب»، درزي أو مسيحي أو علوي، أمّا نائبه، فيكون سنّياً، وتدريج السلم الهرمي موزع مناطقياً وعشائرياً لخلق توازن دقيق يمنع التكتلات ويدجن الجميع.
ولقد وصلت الطبقة الحاكمة السابقة إلى مرحلة الإبداع فعلياً في هذه العملية مع الوقت! إنها لم تعد تكتفي بالتوزيعات الطائفية العمومية، بل أدخلت إليها التوزيعات الأكثر دقة من داخل الطوائف (السنّة: تحديد العشيرة الأسرية. العلوية: التوزيع على أساس العشائر الداخلية ضمن الطائفة، والمسيحيون: تصنيفات الكاثوليك والأرثوذوكس والبروتستانت... إلخ) لينتج لدينا عبر هذا النسج الطائفي المناطقي العشائري «منظومة» عامة هجينة شديدة التعقيد، تدجن الجميع في داخلها، وليجد بطريقة ما الجميع مكاناً بداخلها، في أحد مؤسساتها أو أحد قطاعاتها، داخلاً إليها عبر انتمائه الطائفي والمذهبي الذي سيحقّق له «تيكت» دخول ما باتجاه ما. وهذه المنظومة فعلياً هي «الدولة». إنها الدولة الرأسمالية الكولنيالية على أرض الواقع.
السلوك الاجتماعي الطائفي بعد 2011
الدولة الهشة مع طبقتها الهشة مأزومة في طبيعتها البنيوية بالذات. ومع اندلاع الانتفاضة السورية عاشت هذه الطبقة أزمتها الأكثر وجودية. ليس لدى الطبقة الحاكمة السورية الهزيلة بالطبع أي نوع من أنواع القواعد الشعبية الجدية أو التأييد الشعبي الحقيقي من أي نوع، ولا يوجد أي سبب لوجوده. لذلك اتجهت، ومنذ اللحظات الأولى لاندلاع الانتفاضة، نحو توظيف المنظومة الطائفية لخدمتها وإنقاذها. البرنامج المنهجي كان «تطييف» الصراع من أجل التمكّن من تعبئة فلاحي الساحل السوري من الغالبية العلوية وبقية فلاحي الأقليات للدفاع عنها. بالاستناد إلى «الذعر التاريخي» و«المظلومية الأقلياتية» والغرائز المذهبية والطائفية عند فلاحي الساحل السوري، عمدت الطبقة الحاكمة إلى تجنيدها وتعبئتها وخلق ولاء لديها لزجها بشكل ممنهج ومتصاعد في الصراع.
وتطييف الصراع كان قد تم عبر حقن الحراك الشعبي بكل الوسائل الأمنية والاستخباراتية (التي أتقنت الطبقة الحاكمة السورية اللعب بها جيداً بعد غزو العراق 2003) بالتنظيمات الإسلامية والجهادية المتطرفة من كل نوع، لنصل في أوائل 2012 إلى مشهد ملائم جداً بالنسبة إلى هذه الطبقة المافيا: فلاح الساحل وفلاحو الأقليات معبؤون عبر كل وسائل التجييش والتحشيد الطائفي والمذهبي لمصلحتهم وللدفاع عنهم وعن مصالحهم، ضد معارضة (شبيهة جداً بهذا النظام) قامت بتعبئة فلاح الداخل (السنّة في غالبيتهم) للدفاع عنها وعن مصالحها (إذ أيضاً ليس هناك أي سبب حقيقي للتأييد الاجتماعي أو نشوء كتلة اجتماعية حاضنة حقيقية لهذه المعارضة ومنذ اللحظات الأولى لوجودها) عبر الخطاب نفسه بالضبط وعبر الوسائل التحريضية والمذهبية نفسها بالضبط. ولقد دام هذا المشهد المريع حوالى الخمسة عشر عاماً. وطبعا كل قطب من أقطاب هذا الصراع له مشغلوه الإقليمون ورعاته كما اعتادت هذه الطبقات العمل بالعادة ولا جديد.
خاتمة
المنظومة (شبه الدولة) المعقدة الهجينة المتشابكة الرهيبة والضخمة المستندة إلى التشبيك الطائفي والعشائري الدقيق المحبوك بدقة وصبر على مدار نصف قرن تقريباً، انهارت فعلياً وبمشهد سوريالي عجائبي ببضع ساعات فقط، وعند مجرد انتشار خبر هروب «العراب الأكبر»، لم يبقَ لأي من أجهزته من أثر. إخلاء كيفي وهروب هستيري مضحك لرؤوسه وعرابيه، وعمل شعبي «مبارك» لفك و«تعفيش» مكاتبه بهدوء وبساطة ومن دون عنف. منظومة بأكملها صارت، وببضع ساعات فقط، برسم أنظمة الصرف الصحي للتاريخ، وكأنها لم تكن في يوم.
وأي بناء اليوم في هذا الاتجاه وعبر المنهاجية نفسها سيكون له مصير مشابه. هذه هي «الحكمة» مختصرة. إنّ منظومات وأجهزة ومؤسسات من هذا النوع هي كرتونية وورقية وفارغة، وستعاني المصير نفسه عند أقل نفخة تصدر عن ترتيبات إقليمية جديدة من الدول الضامنة أو الراعية، أو عندما ينتفض المارد الشعبي انتفاضة جديدة ليهز أسس العروش من أركانها مجدداً كما فعل يوماً وكما اعتاد أن يفعل دائماً.
* كاتب سوري
